الحدث - حوارات - قضايا تحت المجهر

:الرئيسية: :جواريات: :إنشغالات و ردود: :الرياضة: :روبورتاج: :الشبكة: :زوايا: :حول العالم: :ايمانيات: :ثقافة: :ملفات: :علوم و صحة: :الأخيرة:

الرئيس تبون يترأس هذا الأحد اجتماعا لمجلس الوزراء الأمن الوطني: 149 مفتش شرطة يؤدون اليمين القانونية عيد الاستقلال: الرئيس الأسبق زروال يبعث برسالة بلعريبي يعلن عن الانطلاق في أكبر عملية توزيع للسكنات منذ الاستقلال

::: ليلة سقـوط الياسميـن ! ::: يوم :2018-03-31

ليلة سقـوط الياسميـن !

لم يتغير الوضع في تونس كثيرا، منذ أن أقدم البائع المتجول محمد البوعزيزي على الانتحار نهاية 2010، لرد المهانة على تلك الصفعة التي تلقاها من شرطية القصر، والذي أسقط على إثرها عرش بن علي والطرابلسية وقلب الطاولة على الجميع، سوى أن حناجر الناس تحررت من الصمت الذي كرسته الديكتاتورية لعقود من الزمن، وتغيرت الحكومات تلوى الأخرى لكن لم يحدث شيء ذا شأن من الناحية الاجتماعية، فبالأمس انتحر بائع الفواكه المتجول حرقا، من ضيق الحال والذل، وفي 2018 ينتحر الكاتب والمصور نضال غريبي بحبل رخيص بسبب العطالة عن العمل !.



  كان معلقا بحبل مشنقة، يتدلى من السقف، بعينين جاحضتين، فقد أنفاسه الأخيرة في الغرغرة، قبل ذلك تذكر كل شيء في حياته وفي تونس وإنتحر، هذه الصورة المتخيلة تنطبق تماما على الكاتب والمصور التونسي، الذي وضع حدا لحياته بحبل اشتراه بدنانير، لم يكن يحتاج للقفز من بناية شاهقة أو لحرق نفسه أمام جموع من الناس، الذين قد يسارعون لإطفاء لهيب النيران في جسده ويعيش مشوه بندوب هولوكوست نفسية لسنوات، لم يكن ينتظر أن ينقذه أحد بعدما توارى عن الأنظار، وأختار أن يواجه الموت وجها لوجه، لأنه لم يتطوع أحد أيضا لإنقاذه لما كان على قيد الحياة وهو يتسول فرصة عمل تنقذه من الجوع !!


    وضع نضال لم يكن أحسن من حال البوعزيزي البائع المتجول في عهد بن علي، فقد كان عاطلا عن العمل، بالرغم أنه محسوب على قطاع المثقفين الكادحين المسحوقين في تونس الخضراء، لم يستطع أن يفعل شيئا في حياته سوى إن يمتهن الكتابة والتصوير، ليكتشف في الأخير أن هكذا خيار ليس سوى نوع من العبث في بلاد لا يؤمن بالأشياء التي ترفع من الذوق العام، لأن الخيارات هنا محدودة وقليلة بل منعدمة تقريبا، بلاد فقدت البوصلة مثلها مثل مختلف البلدان العربية التي يعيش أغلب شعوبها تحت خط الفقر، بإستثناء زمر حاكمة التهمت كل شيء تقريبا في بلدانها ولم يتبقى شيء للشباب سوى ركوب عباب البحر للهجرة الى الضفة الأخرى، أوالانتحار بحبل رخيص !!

   تونس قبل الثورة وبعدها هي نفس الشيء من الناحية الاجتماعية، الأمر الجديد أنه أتاحت الفرصة للناس للصراخ بأعلى أصواتهم من الألم الذي كان يكتمونه طوال سنوات القهر والدكتاتورية في عهد بن علي ..فالذل والبطالة، يجعلان الإنسان يفقد معنى الحياة، يفقد مبررات الوجود تماما مثلما فقدها البوعزيزي ونضال، حتى وإن كانت كل المبررات تفرض عليهما التشبث ببصيص الأمل، على غرار العائلة، إلا أن عائلتي المنتحرين تنتميان إلى الطبقات الاجتماعية السحيقة القابعة في الشوارع الخليفة لتونس العميقة، حيث يموت الناس كالفئران ولا أحد يأبه لحالهم !




  الحياة العميقة للمواطنين، تكشف حقيقة البلد بعيدا عن البهرجة الإعلامية والزيف المصطنع، للأسف سنكتشف هذه الحقائق لما يطلق بعض هؤلاء الباطلين والمسحوقين صرخات الوجع والألم على شكل إنتحار..  فينتابنا بعض الأسف لأيام وقليلا من الحزن لساعات ثم نضع كل شيء تحت عباءة النسيان في انتظار صراخات أخرى قادمة القاع وأسف أخر!   



  أنا الآن لا شيء ..تفصلني خطوة عن اللاشيء، أو فلنقل قفزة، غريب أمر الموت ما أبخس ثمنه، دينار ونصف الدينار ثمن الحبل، وبعض السجائر، غريب أمر الحقيقة ما أبخسها ثمنها لكننا لا نرى، نملئ أبصارنا وبصائرنا دومًا بالأوهام، حتى تصير الحقيقة تفاصيل لا نراها .. نحن لا نرى غير ما نريد رؤيته، لا نرى من الأخضر غير يابسه حتّى تختلط علينا الألوان، ومفاهيمها..غريب أمركم جميعًا اذ تظنُّون بموتي أنّني أناني، لكنني في الحقيقة أبعد ما يمكن عن الأنانية، دققوا في التفاصيل، لو كنت كما تدّعون لكنت التهمت ما استطعت من أدوية أمي المريضة ورحلت، لكنني أعلم على يقين أنّ عائلتي المسكينة ستنصرف إلى مراسم دفني وقبول التعازي، وسينسون بالتأكيد أن يشتروا لها دواء بدل الذي دفن في معدتي، لكنني لم أفعل، لو كنت بالأنانية التي تدّعون، لكنت رميت بنفسي أمام سيارة على عجل، أو من فوق بناية عالية، لكن، حرصا مني أن لا تتلف أعضائي، التي أوصي بالتبرع بما صلح منها، لم أفعل ..أوصيكم بأنفسكم خيرا..السّاعة الآن الرابعة بعد الظهر، من السابع والعشرون من مارس سبعة عشر وألفين، أفارقكم عن سن تناهز أسبوعان وأربع أشهر واثنان وثلاثون سنة ..أحبكم جميعا دون استثناء..آسف من الجميع .



  كانت هذه الكلمات، أخر رسائل نضال المنشورة عبر الفاسبوك، قبل أن يقدم على وضع حد لأنفاسه بتلك الطريقة الشنيعة، بعد ان بلغ به اليأس مبلغا لا يطاق في بلده وكأنه يردد مقطع من قصيدة الاديب السوري محمد الماغوط .. المأساة ليست هنا في السوط أو المكتب أو صفارات الإنذار.. إنها هناك في المهد.. في الرَّحم فأنا قطعاً ما كنت مربوطاً إلى رحمي بحبل سرّه بل بحبل مشنقة !





   رحيل البوعزيزي ونضال لم ولن يغير في واقع تونس أي شيء فهي بالرغم من أنها تعيش مخلفات ثورة الياسمين التي استطاعت نزع رداء الذل بعد سنون من الديكتاتورية على الشعب، إلا ان هذا الاخير لايزال قابعا في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة للغاية، فكلا المرحلتين لم تستطع أن تغير أي شيء في الواقع الاجتماعي، سوى أنها نقلت فعل الانتحار من الباعة المتجولين الى الكتاب ..فالأمس كان البوعزيزي واليوم نضال وغدا لا نعرف من !  

 

 

أحمد لعلاوي

التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها

كن أول المعلقين

:

 الاسم

:

ايميل

:

التعليق 400 حرف


الرئيسية
اعلن معنا
اتصل بنا
الوطني
المجتمع
الرياضة
الشبكة
جواريات
انشغالات و ردود
ايمانيات
حول العالم
زوايا
روبورتاج
الثقافة
الاخيرة
طيور مهاجرة
قضايا تحت المجهر
مشوار نادي
مشوار بطل
شؤون دولية
عين على القدس
ملفات
الصحراء الغربية
حوارات
علوم
عالم الفيديو
مواقع مفيدة
جميع الحقوق محفوظة - السياسي 2021/2010